أهم الأخبارالصوت العالي

هل نعيش مرحلة “شرطة الفكر” ؟

تكميم افواه القضاة والمحامين.. هل نعيش مرحلة “شرطة الفكر” في رواية جورج اورويل؟

نادية حرحش/

تمت ملاحقة القاضي د. أحمد الأشقر على خلفية مقالة نشرت على موقع وكالة “وطن”، تحت عنوان: “عدم مأسسة انتهاكات حقوق الانسان، أي مساءلة نريد؟” طالب فيها بوقف انتهاكات حقوق الانسان، وانصاف الضحايا والمتضررين، وتطبيق مبدأ سيادة القانون، ومراجعة قرارات الحكومة السابقة، وتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق لدرء الظلم، حيث تم دعوته الى دائرة التفتيش القضائي من قبل رئيس دائرة التفتيش القضائي لدى السلطة.

من جهة ثانية، تم التحقيق مع المحامي مهند كراجه امام النيابة العامة في رام الله بسبب منشور له على الفيسبوك جاء فيه ما يلي: “غدا يحاكم عادل سمارة كل مطبعي المرحلة مع الاحتلال، يحاكم مطبعي الصرخة والدولة الواحدة ودعاة نسج الروابط مع مجتمع الاحتلال. غدا يحاكم الدكتور العروبي الاممي الأسير المحرر عادل سمارة لأنه وقف امام المطبعين الراكعين ل شلومو وزمرته، تضامنوا مع عادل سمارة.” وتم توجيه تهمة الشتم والذم والتحقير والتهديد بالحاق الضرر حسب قانون الجرائم الالكترونية، وتم تعيين محاكمة له امام محكمة صلح رام الله.”

الحقيقة كنت اود المرور بمحامي حقوقي دولي – يعمل لدى هيومن رايتس واتش- يتعرض للمهاجمة والطرد من قبل الاحتلال اسمه عمر شاكر، ولكني توقفت امام ما يجري في رام الله مع القاضي الأشقر والمحامي كراجه لأفكر مرارا واعيد تكرارا ما كتبوه لكي يتم احالتهم لمجلس تأديب ومحاكمة، وتراجعت عن الحديث في قضية عمر شاكر الذي يطارده الاحتلال ويعري حقيقتهم الزائفة امام العالم، لأن عري سلطتنا اكثر فضحا امام ما يجري من تكميم للأفواه وملاحقة على خلفية التعبير عن الرأي. بالمحصلة تكمم إسرائيل افواه من يعادونها منا، اما السلطة فتكمم افواه من يعادي الفساد والاحتلال.

لا يشكل الاسمين المذكورين أعلاه حالة استثنائية ولا غريبة في ظل ما نعيشه من فظاعات لم نعد نعرف كيف نقيم الأسوأ فيها، فقد سبقهما كل من الصحفية نائلة خليل والصحفي رامي سمارة الذين يتم محاكمتهما بهدف تكميم الافواه، فالسلطة تتعامل مع الشعب على المبدأ “الاورولي” الذي يقول “عامة الشعب مخلوقات هشة جبانة لا تتحمل الحرية ولا يمكنها مواجهة الحقيقة، لا بد من حكمها وخدعها بشكل منهجي عن طريق اخرين يكونون أكثر قوة.”

قد يعطينا موقف القاضي عبد الله غزلان – رئيس مجلس التأديب- بالتنحي عن النظر بالدعوى التأديبية لأنها على خلفية حرية الرأي والتعبير للقضاة، والذي تعرض من قبل للملاحقة “التأديبية ” بسبب كتابات متصلة بالشأن العام، بعض الامل، بأن للحق لا يزال روح تستشعر الحرج والخجل.

فعند التفكير ان القاضي لا يستطيع ان يعبر عن رأيه، وانه يلاحق بسبب ما ادلى به من قول او بيان، فنحن نكون قد وصلنا الى حضيض أحلك من ذلك الذي وصفه جورج اورويل في رواية 1984 ، وما وصفه عبد الرحمن منيف في رواياته المتعددة وبالتحديد “شرق المتوسط”، ليس الا واقعا يستلهم تطبيقه حكام السلطة بتمرس. فالتعامل مع النخب المجتمعية من قضاة ومحامين وصحافيين بهذه الطريقة من قبل السلطة، يؤكد على حقيقة اورولية أخرى: “في زمن الكذب والغش والخداع، يكون مجرد قول الحقيقة عملا ثوريا.”

أتساءل، كيف يصل الامر في اولي السلطة بمحاسبة شخص على خلفية وقوفه “ضد التطبيع”؟ افهم ان هذه السلطة بنيت على فكرة ومبدأ التطبيع وتعتبر التنسيق الأمني مع الاحتلال مقدسا ويقود كبير مفاوضيها الخطابات بداخل محافل الصهيونية التي ترفع شعار دعم إسرائيل، ولكن بحكم كوننا شعب ساذج يصدق ما يقال له، كيف يفسروا لنا الخطة العنقودية للانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال والتي بدأت بواقعة العجول، ومرت ربما بمصادرة شرائح الهواتف النقالة الإسرائيلية، ولا يزال وقع زلزال “فلتسقط صفقة القرن” رفضا للتطبيع بورشة البحرين يهز بنا، فما يتم تحويلنا اليه كاشخاص متمسكين بشعارات وطنية خاوية، فيما ينطبق مرة أخرى على الفكرة الاورويلية القائلة: ” إذا لم يكن من المرغوب فيه ان يكون لدى عامة الشعب وعي سياسي قوي، فكل ما هو مطلوب منهم وطنية بدائية يمكن اللجوء اليها حينما يستلزم الامر.”

يبقى الامل بالمحصلة سيد الموقف، في زمن تصبح فيها المواقف رمزا للقوة والوجود، فيشكل موقف القضاة من أمثال د. عبدالله غزلان ود. احمد الأشقر موقفا “حرا” في زمن تكرس فيه السلطة مبدأ “الحرية هي العبودية”، بينما لم نعد في زمن يمكن فيه حصحصة المعلومات وفرض ما تريده السلطات من حقائق ومعلومات، ان نصل الى مرحلة تصبح فيه عواقب التفكير والتعبير عنه جريمة، تأخذنا مرة أخرى لزمن أفكار جورج اورويل الناقد والرافض لحكم الاستبداد التي تمارسه الحكومات القامعة، في إعادة الحياة لألفاظ تعيد تشكيل نفسها كالأخ الكبير والتفكير المزدوج وجريمة الفكر وشرطة الفكر.

بينما يقف المجتمع الفلسطيني اليوم، وبما اننا نتكلم عن الامل، بان تجري انتخابات، قد تخرجنا من هذا الحضيض الذي لا نعرف ان كنا سنعرف كيف نخرج منه، يبقى علينا نحن الشعب عبء القرار بمن ننتخب فـ “الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والمحتالين والناهبين والخونة، لا يعتبر ضحية بل شريكا في الجريمة.” كما يقول اورويل.

حتى اللحظة من تاريخنا المعاصر كشعب فلسطيني، نتملص من مسؤولية عبثية وضعنا، لأننا ننتظر انتخاب من يمثلنا، لأننا نشتاق لان نكون شعبا مستقلا كباقي الشعوب، ولعل سلطتنا واربابها يتفكرون بجملة عبر فيها عبد الرحمن منيف من شرق المتوسط الى مدن الملح في قول مأثور، انهي فيه هذا المقال: ” تقوم مدن الملح، ترتفع وتكبر، إذا جاءها الماء، فش، ولا كأنها كانت!”