أهم الأخبارالصوت العالي

العجول الوطنية.. ما سرها؟

السلطة الفلسطينة اتخذت قرارها الحاسم: استيراد العجول سيخضع لسلطة الحكومة الفلسطينية، ولن يتم بعد اليوم استيرادها من السوق الإسرائيلي. هذا ما باشرت وزارة الزراعة بتنفيذه، وجاء تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء في جلسته رقم (18/20) بتاريخ 9 أيلول/سبتمبر 2019، وقد دعت وزارة الزراعة المسؤولة عن تنفيذ القرار جميع الجهات الرقابية إلى متابعة تنفيذ هذا القرار اعتبارًا من تاريخه.

القرار بدا للعيان ثوريًا، وقدمه الإعلام للجمهور بأنه بداية انفكاكٍ فلسطينيٍ عن الاقتصاد الإسرائيلي، ويبشر ببدء بناء اقتصاد وطني فلسطيني. لكن السؤال الأهم الذي يخطر ببال المواطن الفلسطيني: لماذا اتخذت الحكومة الفلسطينية قرار مقاطعة استيراد العجول بالذات من السوق الإسرائيلية؟ ولماذا لم تقاطع مثلاً استيراد البطيخ والخضروات والتمور والزيتون؟ كيف جهزت لصدور هذا القرار؟ هل سترتفع أسعار اللحوم الحمراء في المستقبل القريب بشكل جنوني؟ لماذا انخفض سعر كيلو لحم العجل من 55 شيكل إلى 42 شيكلاً رغم قرار وقف استيراد الأبقار من السوق الإسرائيلية؟

هذه الأسئلة راودت الكثيرين لكنها لا زالت حتى هذه اللحظة بلا إجابة، فما نشر عن قرار وقف استيراد العجول من السوق الإسرائيلية لا يتعدى ما ذكر في مقدمة هذا المقال، لذا من الصعوبة توفير إجابة عليها، فالمعلومات المتعلقة بوقف استيراد العجول من داخل إسرائيل قليلة، حتى أن وسائل الإعلام لم تتناول هذه القضية كما يجب، لم نستمع إلى خبراء الاقتصاد، وآراء مربي البقر في القرار الجديد.
لم نستمع لأي تحليلاتٍ للقرار وآثاره على سوق اللحوم وسوق الحليب من أية جهة كانت رغم أهمية القرار. فما هي القصة المخفية في القرار؟ وقد اعتدنا ان يكون وراء كل قرارٍ اقتصاديٍ تتخذه السلطة الفلسطينية منذ نشوئها ولغاية اليوم قصة كبيرة تخدم كبار أصحاب رؤوس الأموال الفلسطينيين ولا تخدم المواطنين.
كشف مركز الإحصاء الفلسطيني في دراسةٍ أصدرها عام 2010، أن العدد الكلي للأبقار في فلسطين في ذلك الحين هو 33,925 رأس بقري، كانت ضمن 2890 حيازة زراعية، 73% منها في الضفة الغربية و 27% في قطاع غزة. كانت نسبة الأبقار الهولندية المستورده من هذا المجموع ما يزيد عن 70% من إجمالي عددها، ونسبة الأبقار البلدية تقل عن 20%، وما تبقى هو بمثابة أبقار مهجنة ومنوعة، أي أن حصة الإنتاج الفلسطيني من هذا السوق لا تتعدى 20%.
كانت أعلى حصةٍ من الأبقار في محافظة الخليل وأقلها في محافظة القدس، وهذه النسب لم تتغير كثيرًا منذ ذلك الحين، والذي يتغير بالعادة كميتها التي تزداد من عام الى آخر تبعًا لازدياد عدد السكان والوضع الاقتصادي وأسعار اللحوم الحمراء في السوق.

وفقًا لما ورد في تقرير مركز الإحصاء الفلسطيني في عام 2010، فقد بلغ عدد الحيازات التي تحتوي على رأس واحد إلى ثلاثة رؤوس بقر حوالي 63% من عدد حيازات الأبقار، وبلغ عدد الحيازات التي تحتوي من 4 إلى 9 رؤوس بقر حوالي 19%، أما تلك التي تحتوي على 10 رؤوس من البقر فأكثر فنسبتها 18%، وهذا يعني أن ما نسبته أكثر من 80% من حيازات الأبقار ذات طابع أسري ولا تعود إلى شركاتٍ كبيرةٍ باستثناء بعض التجار والشركات الذين يملكون حيازاتٍ يصل عدد الأبقار فيها إلى العشرات، وقليلٌ جدًا منها يحوي مئات الرؤووس من الأبقار.
هذا النمط من الاقتصاد ممكنٌ الآن، لأن أصحاب هذه الحيازات قادرون على استيراد الأبقار سواءً كانت للحليب أو للحوم من السوق الإسرائيلية، فمن السهل أن يشتري تاجرٌ عشرات الأبقار من السوق الإسرائيلية ويوزعها على أكثر من مربي من أصحاب هذه الحيازات، فرأس المال المتاح يسمح لهم بممارسة هذا النوع من الاقتصاد العائلي الذي تعتاش منه هذه الأسر، تمامًا كما كانت تعتاش آلاف الأسر خلال الانتفاضة الأولى من تربية الدجاج اللاحم والبياض في آلاف الحيازات البيتية، قبل اختفاء هذه الظاهرة الاقتصادية بفضل سيطرة كبار المستثمرين على سوق الدواجن في الأراضي الفلسطينية، وهذا ما حصل في سوق الاتصالات، وسوق العقارات، حيث ألقت السياسات الحكومية بآلاف صغار المستثمرين على رصيف البطالة أو حولتهم إلى سوق العمالة في إسرائيل، وسيكون قرار اقتلاع هؤلاء المزارعين قرارًا يحتفى به وطنيًا بامتياز، قرارًا قدمته الحكومة باعتباره أول قرارات الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي وليس تمكين كبار المستثمرين من السوق.

مَن مِن كل أصحاب هذه الحيازات سيكون قادرًا بعد اليوم على استيراد آلاف رؤوس الأبقار الهولندية والبلجيكية مرةً واحدة؟ وهو بالكاد قادرٌ على شراء خمسةٍ إلى عشرة عجول من السوق الإسرائيلي بأسعارٍ معتدلة؟ لا أحد يمكنه من كل المربين الحاليين القيام بذلك، لذا جاء القرار بعد أن أُنشِئت مزارع أبقارٍ جديدةٍ تعود إلى شركاتٍ احتكاريةٍ كبيرة، قادرةٌ على استيعاب شحناتٍ لآلاف الأبقار المستوردة.
الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي كذبةٌ كبيرةٌ استخدمتها الحكومات المتعاقبة لحماية مصالح كبار المستثمرين، ولا يوجد على أرض الواقع أي انفكاك، فأصحاب رؤوس الأموال الفلسطنية هم أنفسهم وكلاء المنتجات الإسرائيلية، حتى في المشاريع التي تصنف وطنية.
الاتصالات الفلسطينية تعتمد بشكل كبير على السوق الإسرائيلية في مجالاتٍ عديدة، مثل شراء خدمة التجوال ومحطات التقوية والسيرفرات وغير ذلك من الخدمات التي تبتاعها من إسرائيل ونسميها اقتصادًا وطنيًا، ومزارع الدواجن التي احتكرت السوق وتعتمد على العلف الإسرائيلي أو مواد الخام الإسرائيلية المصنعة له ونسميها “اقتصادًا وطنيًا”، أما شركات الألبان فاعتماد الجزء الأكبر منها على الحليب الذي يتم شراؤه من إسرائيل، ومن لديه مزارع أبقار يعتمد في تغذيتها على المنشأ الإسرائيلي.
الأمر ذاته سيتم على العجول الوطنية التي سيحتكرها ذات المستثمرين، وسيعتمدون على العلف الإسرائيلي، لكنهم سيتحكمون بكميتها وبأسعارها تمامًا كما يحدث الآن مع الدواجن، ومهمة الدولة هو حماية مصالحهم، لذا سنجد أجهزتها قريبًا ناشطةٌ في ملاحقة مهربي العجول من السوق الإسرائيلي ليلاً، وسينصبون لهم الكمائن، وسيُفعّلون العمل بقانون مكافحة بضائع المستوطنات، وسيلاحقون المهربين بالضرائب، تمامًا كما نراهم ناشطين في ملاحقة تجارة شرائح الهاتف الإسرائيلية ومصادرتها، فهذه هي اقتصاد وطني.
أما البطيخ الفلسطيني والخيار والبندورة فهو ليس وطني لذا يبقى في أرضه، وزيارةٌ واحدةٌ إلى باب الحسبة لرؤية شاحنات الخضار المستوردة من إسرائيل تكفي لنرى كم تبقى لدينا من الاقتصاد الوطني، فهو وطنيٌ ما دام مربوطًا بمصالح كبار المستثمرين المنتجين الوطنيين ووكلاء السوق الإسرائيلية في ذات الوقت